يا والد الداعية

التقييم

يا والد الداعية
بعد أن انتهت الصلاةُ وبدأ الناس يتنافسون للوصول إلى ذاك الخطيبِ الذي أجادَ وأفادَ
للسلام عليه ومحاولة التقرب منه , ما كان منه إلا أن تجاوز الجميع ومشى مسرعاً
فعجبت من انصرافه عن الناس وسرعته في حركته , فقلت في نفسي: (أين يريدُ؟)
فأتبعته بصري فوجدته يُقبلُ على رجلٍ كبيرٍ قد شاب شعرُه واحدودَبَ ظهرُه
فأكبَّ على يده يُقبِّلُها ويجلسُ بين يديه خافضاً جناح الذُّلِّ من الرحمة
فقلت: (من هذا الذي يجلسُ الشيخُ بين يديه هذا المجلسَ؟)
فعلمت أنه أبوه.
فدارت الأفكارُ في رأسي وقلت: (أتراني أحلمُ بولدٍ يكون لي كما كان هذا الشيخ لأبيه؟).
وبادرتُ إلى هذا الرجل الكبير فما كان مني إلا أن قبَّلتُ يدَه كما فعل الشيخُ
وقلت له: جزاك الله عنا أيها العم الفاضل على هذه الثمرة التي أهديتها للأمة وهنيئا لك هذا الولد الصالح الذي يُجري الله كلَّ هذا الخيرِ على يديه.
يا والد الداعية أشعرت بعظمة ما قدمت وكبير ما صنعت
إنك بنيت للأمة منارةً متحركةً تدعو إلى الله في كلِّ مكانٍ وحالٍ
يُعلِّمُ دين الله وينشرُ الخير ويبثُّ الفضيلة.
يا والد الداعية لقد بذرت بذرةً طيبةً فكان منها نباتٌ طيبٌ فانتفع الناس به
فطبْ نفساً وافرح بذلك وقرَّ به عيناً
فهذا من العمل الذي لا ينقطعُ بعد وفاة صاحبه
ولعلَّه يكون أربح تجارةٍ لك في حياتك
لقد عملت كثيراً وأنتجت كثيراً ولكنك لن تنتفعَ بشيءٍ مثل هذا النتاج الطيِّب والثمرة المباركة
ولعلي أنظر إليك وأنت تلبسُ التاج الذي ضوؤه أحسنُ من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لأن ولدك قد حَفِظَ القرآن , فما بالُك إذا كان قد حَفِظَ والآن يُحَفِّظُ ويُعلِّمُ ويدعو إلى هذا القرآن
يا والد الداعية بينما أنا أنظر إلى ولدك بين يديك بَرَقَت في فكري خواطرُ وكلماتٌ أتأذن لي أن أقولها لك؟
إذا كانت شجرةُ بذرتِك قد أينعت وأكل منها الناس أتكتفي أنت بأن يُثنى عليك بزراعتها ورعايتها؟
أترضى أن ينتفع بها الناس ويغيب عنك هذا النفع؟
لقد ربيت ولدك حتى صار عالما فهل يمنعُك ذلك من أن تكون ممن ينتفعُ بعلمِه ونُصحِه؟
إن كل زارعٍ يحبُّ أن يكون أول من يأكل من ثمرِ زرعه فهل تحب أن تكون أول من ينتفع بثمرة ولدك؟
يا والد الداعية لقد كان ولدك بالأمس صغيراً يسمع منك وهو الآن يُعلِّمُ الناس فهل ستستمع أنت منه؟
لقد كان بالأمس يسألُك وأنت تُجيبُه
وهو الآن يُسأل ويُجيب
فهل ستستفيد من الأسئلة التي توجهها له لتغترف من العلم الذي كنت سبباً في تحصيله له؟
أتذكر عندما قال سيدنا إبراهيم لأبيه: (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً) فماذا أنت فاعل بهذه الآية؟.
يا والد الداعية كلما رأيتَ ولدك في خيرٍ فكن أول عونٍ له
ولا تنس أنه غرسُكَ وزرعُك فاسقِهِ من جُود فضلك وارعَه بلطيف نُصحك وزوِّده بخالص دعائك
وكن له في كِبَره كما كنت له في صِغره لتنتفع به كبيراً كما تعبت به صغيراً
يا والد الداعية حاولْ أن تجمع العائلةَ حول هذا الداعية لتكون سبباً في نفع الجميع منه ليعرفوا قدره وينتفعوا بعلمه حتى لا يكونَ وجودُه فيكم حجةً عليكم لا لكم.
اسمعوا له عندما يتكلم فإنه لا يتكلم اليوم بكلام الولد مع أبيه
بل يتكلم بكلام الله عز وجل وحديث النبي عليه الصلاة والسلام
فحقه أن يسمع له في كبره كما كان حقا عليه أن يسمعك في صغره
يا والد الداعية أعط ولدك مكانته التي يستحقها بين الناس لأن هذا مما يَعظُم نفعُه
ولا تزهد الناس به من خلال زهدك أنت به
ولا تجعل الناس يعرضون عنه من خلال إعراضك أنت عنه
ولا تكلفه من الأمور ما يمكن أن يكون مخالفاً لما يأمر به
فإن هذا سيقتل الزرع الذي زرعته
يا والد الداعية لعلي قد أيقظتك من نشوتك التي أنت فيها وأوقفتك أمام مسؤوليتك التي ينبغي أن تفكر فيها فأعتذر إليك
فو الله ما أردت إلا خيرك وما قصدي ألا أن أشكرك
وأرجو الله أن يجزيك عنا وعن الأمة كلَّ خير .
محبكم حسان الهندي

عدد المشاهدات: (68)